حيدر حب الله
75
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
يُترقّب معه حصول هذه الظاهرة ، أو يرتفع معها المانع من حصولها على الأقلّ ، فعندما توجد روايات عن النبي وأهل البيت ورموز من الصحابة والتابعين ، وأئمّة الفقه والمذاهب اللاحقين ، تجيز النقل بالمعنى ولا تراه مشكلًا شرعاً ، فمن الطبيعي أن تحدث - إثر ذلك - ظاهرة النقل بالمعنى ؛ لأنّ الموالين لهذه الشخصيّات سوف يأخذون عنهم ، ويستنّون بسنّتهم ، ويلتزمون بأفكارهم ونظريّاتهم وتعاليمهم ، مما سيجعلنا نترقّب - على مستوى المنطق التاريخي - وجود هذه الظاهرة في تلك العصور . بل إنّني أعتبر أنّ تجويز النقل بالمعنى من قبل المحدّثين وجمهور فقهاء المسلمين في القرون الأولى هو بحدّ نفسه كاشف عن انتشار هائل لهذه الظاهرة ، وذلك أنّه إمّا أن يكون بنفسه مؤثراً في انتشار هذه الظاهرة أو يكون كاشفاً عنها ، بحيث بلغت إلى حدّ صار التشكيك في شرعيّتها موجباً للقلق العظيم على الحديث ، الأمر الذي دفعهم للقبول بها وتبريرها ، ثم محاولة تقنينها ، ولعلّه ظهر نقّاد للحديث اشتغلوا على هذه النقطة في النقد ، فاضطرّ ذلك الجمهور الفقهي والحديثي للدفاع . فتأمّل جيداً . وإذا اعتبرنا أنّ هذه المرويّات مختَلَقَة ؛ فهذا أيضاً يعزّز فرضيّة أنّ ظاهرة النقل بالمعنى كان لها وجود في الجملة ، وأنّ من انتصر لها أراد أن يبرّرها دينيّاً ، فاختلق هذه المرويّات ، ومن ثمّ يخبرنا هذا الأمر عن وجود فريق كان يعمل على النقل بالمعنى وتبريره ، وإن لم نتمكّن من تحديد هذا الفريق بعينه . والفرق بين الحالة الأولى والثانية ، أنّه في الحالة الأولى لا نشعر كثيراً بوجود فريق معارض للنقل بالمعنى ، بينما في الحالة الثانية يكون نفس اختلاق هذه المرويّات دليلًا على وجود تيّار يمنع النقل بالمعنى ، فأراد أنصار النقل بالمعنى أن يواجهوه بصناعة مثل هذه الأحاديث المنسوبة . ولعلّ هذا التيار هو نفسه التيار الذي شكّك في حجيّة الأحاديث ، وأخذ ظاهرة النقل بالمعنى على أنّها دليل على التشكيك في قيمة الحديث المنقول ، فأريد نسبة التجويز إلى النبي والصحابة وأهل البيت ؛ لكي يتمّ تفادي هذه المشكلة المفترضة ،